لم يكن هناك مطلقاً من حرب جيدة ولا من سلام سيء

جديد الموقع

أســـئلة وأجـــوبة

هنالك فتاة مسلمة أعرفها منذ سنين وهي تعاني أن لا أحد يساعدها في موضوع المعمودية وفي الحقيقة ان إيمانها قوي وغالبا ما نلجأ اليها نحن الفتاة المسيحيات لمساعدتنا وهذا أمر يحزنني وخاصة ان الأمر أصبح هاجسا في حياتها والآباء الذين التجأت اليهم أبعدوها عن الأمر

هذا الموضوع كما تعلمين حساس جدا في بلدنا. بغض النظر عن المخاطر التي قد تواجهها هذه الفتاة هناك أمر آخر مهم للغاية ومن الصعب تأمينه: لا يستطيع الإنسان أن يعيش إيمانه لوحده فهو بحاجة إلى جماعة تحمله وتحتضنه، أي إلى مكان

انا اعاني مشكلة انني اتضايق جدا عندما يصاب احد بمرض او يعاني من مشكلة، او عندما اسمع كلام ناقد غير بناء، وهذا يسسب لي الم وضيق وقلق

هذا دليل حساسية مرهفة وعالية جداً. لأنك تجد نفسك وتتماهى مع مشكلة الآخرين. عليك التساؤل لماذا؟ مالذي يجعلك تجد نفسك في الآخرين؟ هل هناك مشكلة بالاستقلالية؟ بالهوية الشخصية؟ هل هناك عمد ثقة بالذات؟

الحسد، الغيرة والنميمة

الحسد والنميمة

موضوع الحسد والنميمة مرتبط بطريقة أو بأخرى بموضوع الغيرة أيضاً. لذلك سوف أتحدث عن هذه الأبعاد الثلاث. ولكن في البداية أقول بأن هذا الموضوع، ككل المواضيع النفسية تعود إلى المراحل الأولى من الطفولة، لا بل تعود إلى مرحلة الحمل. علاقة الطفل بالأم في المرحلة الأولى من الطفولة نختصرها بعبارة علاقة الطفل «بالثدي». بالطبع علينا أن نأخذ كلمة الثدي بالمعنى المجازي والرمزي للكلمة بمعنى أن الثدي يمثل ويعبر عن الأم على صعيد الاهتمام الجسدي العاطفي.
أثناء مرحلة الحمل، يعيش الطفل ذاته على أنه جزء لا يتجزأ من الأم. إنه يشكل وحدة متماسكة معها، بالإضافة إلى أنها تؤمّن له كل ما يلزم وتجيب على كل رغباته. وهذا هو المهم بالنسبة له وبالنسبة

لموضوعنا أيضاً. لدى الولادة – التي تشكل بحد ذاتها مصدر قلق – يعتقد الرضيع أن هذه المرحلة سوف تستمر، بمعنى أنه خارجا عنه سيجد مصدراً ( الأم) يلبي له كل حاجاته ورغباته كما كان الأمر في الحالة السابقة. فالثدي الجيد (الأم الجيدة) يصبح جزأ منه في داخله، يشكل جزء من الأنا. فالطفل الذي كان في داخل الأم، ها هو الآن يدخل الأم في أعماقه إن صح التعبير.
دون شك حالة الجنين في مرحلة الحمل تترافق بشعور من الوحدة والأمان مع الأم. ولكن استمرارية هذه الحالة وثباتها يتعلق بأمور عديدة تعود في أغلبها إلى الأم؛ إلى حالتها الجسدية والنفسية. من هنا نقول بأن الحنين إلى رحم الأم يخفي وراءه ميل إلى المثالية. هذا الحنين يعود إلى القلق الذي ينتج عن الولادة، ممّا يجعلنا نقول بأن هذه المظاهر الأولى للقلق تعود إلى الاختبارات السلبية الأولى في مرحلة الحمل حيث تتمازج مع الشعور بالأمان الذي تحدثنا عنه. من هنا تنبع ازدواجية العلاقة مع الأم : الثدي الجيد والثدي السيئ، أو الأم الجيدة والأم السيئة.
فالشروط الخارجية تلعب دوراً كبيراً و حيوياً في العلاقة الأولى مع الأم. فولادة صعبة مثلاً تؤدي إلى نقص في الأكسيجين لدى المولود الجديد، قد تعيق تأقلمه مع العالم الخارجي. والعلاقة الأولى مع الأم تتعرقل. في هذه الحالة إمكانية إيجاد مصادر مكافأة تتأثر. والمولود الجديد يجد صعوبة في «إدخال» موضوع أولي جيد وحقيقي. فإمكانية قبول الحليب بلذة « وإدخال » الثدي الجيد ترتبط آنذاك بعوامل عديدة تعود إلى درجة تأقلم الرضاعة واهتمام الأم، فيما إذا كانت الأم ترضع بلذة وبحب، أم كانت الأم قلقة ولديها صعوبة نفسية في إرضاع رضيعها.

ولكن لا بد من وجود الاحباطات لأنه مهما حاولت الأم وبذلت كل إمكانياتها لتأمين علاقة تامة وكاملة مع رضيعها، لا يمكنها الاجابة على حاجاته ورغباته كما يريد. بمعنى آخر لا يمكنها إعادة تلك الوحدة التي كانت موجودة في مرحلة الحمل. فالرضيع يحلم «بثدي» لا ينفذ وحاضر بشكل كلي وكامل، وهذا الميل وذاك الحلم يعود إلى ما أسميناه «قلق الولادة». هذا القلق يولد لدى الرضيع نزوات هدّامة. فهو يبحث من خلال تلك العلاقة المثالية مع الأم لإبعاد هذه النزوات عنه؛ وهذه الاختبارات السلبية في العلاقة الأولى مع الأم والتي تمتزج مع الاختبارات الايجابية تشكل أساس الازدواجية في العلاقة : الثدي الجيد والثدي السيئ. هذا يعني امكانية فقدان واستعادة الثدي الجيد مرة أخرى. بمعنى آخر إمكانية القبول بأن الأم هي جيدة وسيئة في آن معاً. وهذا يشكل أساس الصراع بين الحب والحقد.
بالإضافة إلى أن الحرمان كما نعلم يزيد من الشراهة والشعور بالاضطهاد، وكما أن لدى الطفل أو المولود الجديد الشعور بأن الثدي لا يمكن استهلاكه وتفريغه تماماً وهنا تكمن رغبته الكبرى، هذا يساعدنا لكي نفهم ولادة الحسد لدى الطفل. فالثدي الذي يحرم الطفل يتحول إلى ثدي سيئ لكونه يحتفظ لذاته بالحليب، كما أنه يحتفظ بالحب والاهتمام أيضاً. من هنا يبدأ الطفل بالحقد والحسد بخصوص هذا الثدي البخيل والشحيح.
وبالمقابل، الثدي الجيد هو أيضاً موضوع حسد. فسهولة اعطائه الحليب – وبالتالي مكافأة واعطاء الرضى للمولود الجديد – هي التي تصبح موضوع الحسد، كما لو أن هذه العطية لا يمكن الوصول إليها. هذه الحالة نراها في التحليل عندما يأتي الإنسان المحلَّل ويسمع تأويل المحلِّل، هذا التأويل اعطاه راحة كبيرة وأعاد إليه الثقة. ومع ذلك نلاحظ أن هذا المحلَّل يبدأ بنقد هذا التأويل ومحاولة تخريبه. والنقد قد يتمحور حول بعض التفاصيل : التأويل أتى متأخراً، أو التأويل كان طويلاً، أو مختصر كثيراً. فالحسود يصعب عليه كثيراً إن لم نقل ليس بإمكانه الاعتراف بنجاح التحليل بالرغم من كل النتائج الايجابية النابعة منه. فما يميز موقف الحسود هو نقد حتى العطايا والأمور الجيدة التي تقدم له.
فالحسد يعيق امكانية الطفل في اكتشاف الثدي الجيد وادخاله في الأنا. ففي الحسد يعيش الطفل الثدي على أنه قد حرمه من السعادة، ومن المكافأة والتشجيع. فيعيش الطفل الثدي آنذاك كمصدر لإحباطاته.
لذلك علينا أن نميز بين الحسد والغيرة والشراهة. فالحسد هو الشعور بالغضب الذي يعيشه الإنسان عندما يشعر بالخوف، خوف من أن يمتلك الآخر ما يتمناه هو وأن يستمتع به. فالحسد يدفع الفرد إلى التسلط على هذا الموضوع (Objet) أو إلى هدمه. أمّا الغيرة فتستند إلى الحسد ولكن بينما الحسد يمس علاقة حصرية، أي علاقة بين شخصين فقط «أحسد الآخر على ما هو عليه، على ما يمتلكه أو على جماله الخ»، ويعود إلى العلاقة الحصرية الأولى مع الأم كما سبق وشرحناها؛ الغيرة تتطلب وجود ثلاثة أشخاص، وتمس جوهرياً الحب الذي يشعر من يغار بأن هذا الحب يجب أن يكون له وأنه قد انتزع منه (الطفل يغار من أخيه الصغير لأنه يعتقد بأن أهله يحبونه أكثر منه). وكما يقول القول الشعبي، بأن الغيرة هي الشعور الذي يختبره الرجل أو المرأة بالحرمان من الشخص المحبوب من قبل إنسان آخر.
أما النهم أو الشراهة فهو العلامة على وجود رغبة ملحة لا تعرف الشبع، هذه الرغبة تتجاوز ما يحتاج إليه الفرد، كما أنها تتجاوز ما يمكن للموضوع أن يعطي أو يجيب على هذه الرغبة. على الصعيد اللاواعي، الإنسان النهم أو الشره يبحث على تفريغ واستهلاك وأكل الثدي، أي أن هدفه هو الهدم والتخريب. بينما الحسد لا يسعى فقط إلى ضرر واتلاف الثدي، بل يسعى أيضاً إلى إدخال كل ما هو سيئ لديه في ثدي الأم وهدمه. أي أنه يهدم امكانياته الخلاقة. وفي نفس الوقت الحسد هنا يشكل وسيلة دفاع مهمة.
بقدر ما يرتبط الحسد والشراهة بعضهم ببعض، بقدر ما نجد فارقاً مهماً بينهما: فالشراهة ترتبط بالإدخال، الحسد يرتبط بالإسقاط. الغيرة تستيقظ لدى الإنسان عندما يأتي آخر ويسلبه « الخير، أو ما هو جيد»: الحب الذي يمتلكه. فالحب هنا هو الثدي، الأم عينها، إنه الكائن المحبوب والذي سلبه الآخر. كما أن الغيرة هي الخوف من فقدان ما نملك. الحسد هو الخوف من أن نرى إنسان آخر يملك ما نرغب في امتلاكه. رغبة ولذة الآخر تؤلم الحسود الذي لا يشعر بالامتلاء، لا يشعر بالرضى إلاٌ من خلال تعاسة الآخرين. لهذا السبب كل سعي لإرضاء الإنسان الحسود يبوء إلزاماً بالفشل. بينما الغيرة هي شغف شريف أو مخجل وهذا يعود إلى الموضوع. في الحالة الأولى، أي الغيرة الشريفة تعبر عن ذاتها من خلال منافسة نابعة من الخوف. أما في الحالة الثانية، أي الغيرة المخجلة فإنها تظهر من خلال شراهة مصدرها الخوف. بينما الحسد يبقى شغف خسيس، يحمل في طياته أسواء أنواع الشغف.
بشكل عام موقف الناس من الغيرة يختلف عن الحسد. فالجريمة العاطفية النابعة من الغيرة، تلقى عقاباً مخففاً في بعض البلدان، وهذا نابع من الشعور العام بأن قتل المنافس يحمل معه حب الخائن. هذا يعني أن حب ما هو جيد موجود في أعماق الإنسان وأن الموضوع المحبوب لا يتعرض للضرر كما يتعرض له في حالة الحسد. فالحسد والغيرة متأصلان في الإنسان. ولكن الحسود لا يمكنه الوصول إلى الاكتفاء، لأن الحسد المتأصل في أعماقه، يجد دائماً موضوع ما يتضافر عليه (converger). مما يبين لنا بوضوح مدى ارتباط كل من الحسد والغيرة والشراهة بعضهما ببعض.
والنميمة فهي مرتبطة أيضاً بالحسد والغيرة. ولكنها ترتبط بالحسد أكثر. فالنميمة تعني الرغبة في الوصول إلى ما أرغب به من خلال تخريب وتشويه صورة الآخر لدى الناس. هذا الأمر يعود إلى نقص كبير في الثقة بالذات وبحب الآخرين لي.

ولكن علينا أن نعي جيداً أن تصور علاقة كاملة وتامة بين الأم والطفل هذا أمر وهمي، خيالي ولا علاقة له بالواقع. بالإضافة إلى أن النقص في العلاقة أمر مهم جداً. لأن هذا النقص يولد لدى الطفل الرغبة في الكلام، وتعبير الإنسان عن رغباته أمر مهم جداً. والتعبير عنها بحد ذاتها يدل عن وجود نقص ما. وفي التحليل نسمع في بعض الأحيان شكوى الاهتمام الزائد من قبل الأم والذي لم يكن يسمح للطفل بالتعبير عن رغباته. وهذا ما نسمعه كثيراً من قبل بعض المسيحيين الذين، من أجل تبرير عدم ممارستهم للصلاة، يتساءلون عن ضرورة الصلاة بما أن الله يعلم ما نحن بحاجة إليه. بالمقابل النقص يعتبر عامل مهم جداً في الابداع والتسامي.
بما أن الحسد لا يمكن إرضاءه، والحسود لا يمكنه الشعور بالرضى، لهذا السبب الحسد أمر ملح وبشدة. فالحسد يولد القلق والخوف من التخريب والدمار، اللذان يضاعفان من شدة النهم والشراهة والنزعة إلى الخراب. بهذا المعنى هذه العلاقة الثالوثية تشكل نوعاً من حلقة فارغة.

الحسد يولد الشعور بالذنب.

أمثلة: امرأة كانت ظروفها وأوضاعها سيئة عندما كانت طفلة، بالتالي فهي تتهم ماضيها بغياب الشعور بالأمل والرجاء لديها لا بالحاضر ولا بالمستقبل. هذه السيدة اتصلت يوماً لتلغي الجلسة لأنها تتألم كثيراً من كتفها. ثم تتصل في الغد لتخبرني بأنها لا تزال تتألم. وفي النهاية تأتي في اليوم الثالث لتقول بأن لا أحد اتصل بها واهتم بها وأن الألم تضاعف فجأة وشعرت ببرد شديد مع رغبة كبيرة في أن يأتي أحد ما يغطي لها كتفها ويدفئها ثم يذهب. ثم تذكر يوماً من طفولتها حيث كانت ترغب في الاهتمام بها ولكنها لم تجد أحد. فهذه الرغبة المزدوجة: طلب الاهتمام وابعاده في نفس الوقت ( اعطاء الدفء والذهاب) يميز نوعية علاقاتها مع الآخرين. وهذا يعود إلى وجود كل من الحسد والحقد اتجاه الموضوع الذي يعطي الرضى. بالإضافة إلى أنها عاشت علاقات عدة انتهت بالفشل مما ثبّت لديها الشعور بأن العاطفة التي تبحث عنها لا يمكن أن تتحقق.
باختصار نقول بأن الحسد يمس العلاقة الحصرية بين شخصين، بينما الغيرة تتطلب وجود ثلاثة أشخاص. الحسد قد يؤدي إلى القتل أمّا الغيرة فلا. الغيرة الطبيعية، أي عندما تكون ضمن الحدود الطبيعية فهي مهمة وضرورية لأنها مصدر طموحات الإنسان؛ فالإنسان الذي لا يغار هو إنسان بدون طموح. أمّ النميمة ففي أكثر الأحيان تنبع من عدم الثقة بالنفس: مثلاً، عندما أسمع انتقادات تخص إنسان صديق لي أشعر أمامه بعدم الثقة، أو أعتبره أهمّ مني أو أكثر شعبية أو نجاحاً مني ففي هذه الحالة أشارك في الانتقاد، في النمّ عليه مع الآخرين ممّا يشكل وسيلة دفاع لنفسي. ولا يعني ذلك أنني لا أعتبره صديق لي، وخاصة مشاركتي في هذه الحالة لا تنبع من قناعة مني بهذه الانتقادات.
كيف يمكن الخروج من الحسد والنميمة والغيرة؟ الأمر يعود إلى مدى قوة الموضوع. قد تكفي العودة إلى الذات، إلى الماضي الشخصي. وقد يحتاج المعني بالأمر إلى طلب مساعدة من إنسان مختص.